نص كلمة الدكتور بشير خليل الحداد نائب رئيس مجلس النواب العراقي في الاحتفال المركزي بمناسبة مرور سبعين عاماَ على توقيع معاهدات جـنيف لعام 1949…

 

بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السيادة والمعالي والسعادة…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب الله أوقاتكم بكل خـير وبركة…
بداية نستهل الحديث بقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهذا التكريم الذي ذكره القرآن لبنو آدم هو تكريم للإنسان أن كان صديقاَ أو غير ذلكَ المهم هو التعامل الإنساني.
– نجتمع اليوم لنحتفل معـاَ بمناسبة مرور سبعين عاماَ على توقيع معاهدات جـنيف لعام 1949 التي تعــد بمثابة مجموعة من القوانين الدولية الصادرة التي تهدف إلى توفير الحماية الممكنة والضمانات الدولية للمدنيين خلال الحروب والنزاعات المسلحة، والتي كان للسيد هنري دونان مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر دور أساس فيها، ومن هنا نثمن عالياً الجهود الكبيرة والدور الإنساني للجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر العراقي في الحفاظ على قدر من الإنسانية في خضم الحروب ووضع حدود للحرب نفسها في إطار القانون الدولي الإنساني، إن معاهدات جينف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية والتي أنضمت إليها جمهورية العراق انعكست في إنشاء محكمتي جرائم الحرب بيوغوسلافيا في العام 1993م، ورواندا في العام 1994م، ونظام روما في العام 1998م، وعلى إثرها تمّ إنشاء محكمة الجنايات الدولية، وذلك أنطلاقا من أهداف معاهدات الجنيف في حفظ السلم والأمن الدوليين, وأتخذت عدداً من الدول التدابير المشتركة الفعالة لمنع الاسباب التي تهدد السلم وتحقيق التعاون الدولي بهدف حل المسائل والإشكاليات، وقد لعبت معاهدات جـنيف دوراً هاماً في خلق القواعد القانونية الدولية والأتفاقيات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانسانية وتعزيز احترام حـقوق الإنسان والحريات الأساسية، فضلاً عن تفويض اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجمعيات الوطنية والهلال الأحمر لتعزيز دورهم في العمل التكاملي بهدف تخفيف المعاناة الإنسانية في حالات الطوارئ الطبيعية والكوارث الناجمة عن الحروب البشرية.

الســــــــــادة الحـضور…
لو بينا هذه المعاهدات والاتفاقيات وبشكل مختصر نجد أن اتفاقية جنيف الأولى والتي جاءت لحماية الجنود الجرحى والمرضى أثناء الحروب، هي مكملة للاتفاقيات التي صدرت في الأعوام 1864م و1906م و1929م، لتوفير الحقوق والحماية للطواقم الطبية ووسائل النقل الطبية والمستشفيات، أما اتفاقية جنيف الثانية جاءت من أجل حماية الأفراد العسكريين الجرحى والمرضى والغرقى في البحر أثناء الحرب، وهذه الاتفاقية حلت مكان (اتفاقية لاهاي) لعام 1907م، واتفاقية جنيف الثالثة وهي كرست بنودها لحماية أسرى الحرب وهي أيضاَ حلت محل اتفاقية أسرى الحرب لعام 1929م وتضم 143 مادة، لتشمل جميع الفئات من الأسرى والإغاثة الطبية التي يتلقونها والإجراءات القضائية المتخذة ضدهم، وعندما نتحدث عن اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بتوفير حماية السكان المدنيين وتعرضهم للتمييز والتعذيب نجد أنها تشمل أحكاماً تفصيلية بشأن الإغاثة الإنسانية والمساعدات العاجلة، وبالتالي فأن هذه المعاهدات التي أنشأت حقوقا والتزامات دولية ساهمت في ترسيخ مبادئ انسانية وقانونية, كالمعاهدات والاتفاقات التي تم عقدها لالغاء تجارة الرقيق، وينبغي على المجتمع الدولي اليوم أن يسعى لتخفيف قساوة الحرب ونتائجها من حـدة التوتر في العلاقات الدولية وحالات عدم الاستقرارالتي تهدد الأمن والسلام.
أيتها الســــيدات أيها الســــــادة…
قبل أربع سنوات مضت وبالتحديد عام 2014 جرت على العراق كارثة إنسانية بسبب مانفذته المجاميع الإرهابية من أخطر الانتهاكات وأبشع الجرائم ضد الإنسانية، وإن تقارير المنظمات الدولية وثقت المئات من الانتهاكات التي أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وشملت استخدام الأطفال وتنفيذ عمليات إرهابية في الساحات العامة وغيرها من أعمال القتل والتهجير والتعذيب البشعة كوسيلة للحكم بواسطة التخويف والرعب، وأدت العمليات العسكرية واستمرار المعارك والقتال الى نزوح أكثر من ثلاثة ملايين إنسان عراقي وانتقال أكثر من مليونين منهم إلى إقليم كردستان والباقي إنتشروا في مخيمات في مختلف محافظات العراق، ولازال ملف المخيمات قائماً الي اليوم ومعاناة العوائل النازحة مستمرة للأسف، ونحن في مجلس النواب العراقي نتطلع الى دور أكبر للمنظمات الدولية وبالتعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية لإنهاء ملف النازحين، وتقديم المساعدات الإنسانية، ونؤكد على تسخير جميع الجهود والامكانيات من أجل عودة النازحين الى مناطقهم الأصلية وبيوتهم ودعم المصالحة المجتمعية وتوفير الخدمات الأساسية اللازمة من البنى التحتية وضرورة استمرار الدعم الدولي والمنظمات المدنية لإعادة إعمار المناطق المحررة والتي تضررت جراء العمليات العسكرية والمعارك ضد الإرهاب.
الحضور الكريم…
مر سبعون عاماً على معاهدات جنيف ولازالت المعاناة مستمرة وحقوق الإنسان للأسف تنتهك يومياً على الأرض في أرجاء العالم ولم يحصل الجرحى والمرضى والمعوقون على الرعاية الطبية المطلوبة، إن والمحتجزين وأسرى الحرب والمفقودين يساء اليهم في التعامل، وهناك الآلاف من الأطفال المشردين في الشوارع يواجهون المصير المجهول بسبب النزاعات العسكرية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وبالمقابل عندما تحترم الحكومات القانون الدولي الإنساني ينخفض مستوى تعرض المدنيين للأذى انخفاضًا جذريًا، وان جمهورية العراق تؤكد على التزامها بالمواثيق والمعاهدات الدولية ومنها معاهدات جنيف تقديراً للدور الأساسي لتلك المعاهدات واعترافاً بالأهمية المتزايدة لها كمصدر للقانون الدولي وكسبيل لتطوير التعاون السلمي بين الدول مهما كانت نظمها الدستورية والاجتماعية، وأنّ مبادئ حرية الإنسان وإرادته وحـقوقه يجب أن تسوّى وتطبق بالوسائل والطرق السلمية ووفق مبادئ العدالة والقانون الدولي، وان احترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات الدولية ومن ضمنها مبادئ القانون الدولي المقرّرة في ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها (الحقوق المتساوية في تقرير الشعوب لمصائرها)، والمساواة في السيادة واستقلال جميع الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ومنع التهديد بالقوة أو استعمالها واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع التي أكدت عليها كل الرسالات السماوية، كل هذا مما يمهد حتماً أرضية جـيدة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين وتطوير العلاقات وتحقيق التعاون بين الدول ولاسيما هناك تحـديات كبيرة تواجه المنطقة.
في الختام نتمنى التوفيق والنجاح الدائم لجمعية الهلال الأحمر العراقي وبعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكل الجهات المدنية والحكومية الساندة لأداء المهام والواجب الإنساني والأعمال الموكلة أليهم ونحـيي جهودهم الاستثنائية المبذولة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

 

الدكتور بشير خليل الحداد

نائب رئيس مجلس النواب العراقي